الخميس، 26 يناير 2017

سيناريو التحالف ترامب /تل ابيب


سيناريو التحالف ترامب/تل ابيب/ابو ظبي وتهديده المباشر للديمقراطية التونسية

✍ محمد الجماعي

كشف تقرير حصري لصحيفة "عربي21" بالأمس عن "محضر اجتماع جرى داخل السفارة الإماراتية في تونس بين دبلوماسي إماراتي كبير ورضا بلحاج أحد مؤسسي جبهة الإنقاذ والقيادي السابق في حزب نداء تونس عن طلب الأخير دعما ماليا لمواجهة حركة النهضة". هذا التذيل المحتمل لدولة أجنبية ضد المصالح الوطنية لا يجب أن يكون مفاجئا حتى لو لم يتم تأكيده من الأطراف المعنية، ولن يتم. الحقيقة نحن أمام سيناريو محتمل في المنطقة ستكون آثاره على الأغلب سلبية على تونس. سأستعرض في هذا المقال الأسس والقرائن التي يمكن أن يرتكز عليها سيناريو من هذا النوع. 
تعتبر هذه الأطراف الثلاثة أن الشعوب العربية لا تستحق أن تحكم بشكل ديمقراطي، وتؤمن بنموذج "الرجل القوي" الحاكم بالحديد والنار الذي حكم المنطقة العربية لأكثر من ستين سنة كضمان أنجع لمصالحها حتى لو كان معاديا لها في بعض الأحيان وهنا يأتي مديح ترامب لصدام حسين والقذافي وبشار الأسد بوصفهم جميعا "أنظمة أفضل من الوضع الحالي". وفي ذات الوقت تعتبر أن الاستئصال التام للإسلام السياسي بكل أشكاله مسألة ضرورية لفرض وضع "الرجل القوي". بمعنى آخر في الوقت الذي نريد فيه تعميق مكاسب الثورة التونسية لنضمن ديمقراطية مستديمة مسنودة بإصلاحات اقتصادية واجتماعية تضمن عدالة اجتماعية وجهوية حقيقية، سيعمل بعض التونسيين مسنودين ربما بتحالف إقليمي ودولي لإعادتنا لمربع الاستقطاب "إسلامي-علماني"، وهو مدخلهم لتقويض التجربة الديمقراطية ذاتها. 
الالتقاء حول مسالة "تحريم" أو "تجريم" تنظيم "الإخوان المسلمين" هي إحد النقاط العملية التي يلتقي حولها بوضوح الثلاثي ترامب-تل أبيب-أبو ظبي. إضافة للموقف الإسرائيلي التقليدي المعادي لـ"الإخوان" بما في ذلك في علاقة بحركة حماس، فإن دولة الإمارات أصبحت تلعب دورا رياديا في هذا المجال من خلال الجهد الذي يقوم به منذ سنوات "اللوبي الإماراتي" في واشنطن والذي أصبح أحد أكبر اللوبيات المؤثرة في الكونغرس في سرعة قياسية. ومن المعروف أن الإمارات تلعب دورا إقليميا ودوليا واضحا في اتجاه تجريم تنظيم "الإخوان". ويلتقي هذا المجهود مع عناصر أساسية في ادارة ترامب، ومنها مثلا اختيار عضو الكونغرس بومبيو كرئيس جديد لوكالة الاستخابارات المركزية والذي سبق له في المبادرة بمشروع قانون يجرم الإخوان. وفي جلسات الاستماع الاخيرة في الكونغرس بدا واضحا ان مواقف وزيري العدل والخارجية الجديدة داعمين لهذا التوجه كما هو الحال مع رئيس اللجنة القضائية في الكونغرس. وأيضا هو الحال مع مقربين من ترامب مثل مستشاره للشرق الأوسط خلال الحملة الانتخابية وليد فارس. وفي الحقيقة هناك اساسا عقائديا في هذا التوجه الأمريكي يعتبر أن المشكل مع المسلمين ليس مع تيارات سياسية تستمد خلفيتها من الإسلام فحسب بل هو مع الإسلام ذاته، ومن هنا تأتي تصريحات مستشار الأمن القومي القادم الجنرال فلين الذي هاجم الإسلام كعقيدة أكثر من مرة واعتبره في إحدى المناسبات "سرطانا". 
هذا التوجه الدولي والإقليمي لا يقصد تحديدا تنظيم "الإخوان" المصري بل كل الطيف الإسلامي القريب منه. ولهذا فإن الإمارات تستهدف واستهدفت كل الأطراف الإسلامية القريبة من الاخوان وليس "الإخوانية" فقط، وينطبق ذلك على تونس حيث انبنت المواقف الإماراتية من كل الأطراف السياسية في تونس على قاعدة مدى قربها أو بعدها عن النهضة. ولهذا دعمت بقوة حزب "نداء تونس" حتى الانتخابات حيث كان لهذا الحزب شعار أساسي واحد أنه "خصم النهضة" ثم تراجعت أبو ظبي فجأة عن هذا الدعم عندما قرر السبسي الحكم بمعية الحزب الإسلامي. قام الأخير في المقابل بدعم لامشروط للسبسي في كل سياساته. ولهذا من الطبيعي أن يقوم منشقون عن السبسي سواء حزب محسن مرزوق الذي كان أقرب مساعدي السبسي حتى بعد تحالفه مع النهضة او مجموعة رضا بلحاج، المدير قبل الأخير لديوان الرئاسة، العودة إلى الخطاب الذي يلخص الوضع في تونس في "خطورة النهضة" و"ضرورة التصدي لها" وليس لسياسات الحكومة التي دعموها عندما كانوا في الحكومة السابقة ويدعمونها إلى الآن خاصة تجاهل محاربة الفساد وتجاهل تفعيل اللامركزية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية المضرة بمصالح غالبية التونسيين. 

يتبع ........
�� مقالات.الصـحافـة.tt ��:
هذا الخط المتمثل يمكن أن يتشكل بين سياسات ترامب وأبو ظبي والتيار الاستئصالي الانتهازي في تونس هو في نهاية التحليل يستهدف التجربة الديمقراطية ذاتها. وليست تل أبيب بمنأى عن هذا التوجه إذ كانت أول طرف في المنطقة أعلن عداءه لـ"الربيع العربي" ورؤوا في الشعارات التي انتشرت في المسيرات الجماهيري المعادية للنظام العربي والتي رفعت شعار "الشعب يريد تحرير فلسطين" تهديد مباشرا لأمنها الإقليمي. ينسجم ذلك مع الرؤية الإسرائيلية القديمة والتي تحتقر "العربي" وترى فيه شخصا قابلاللخضوع لا يستحق العيش في سياق ديمقراطي. وكان ذلك أساسا طبيعيا لتقارب إسرائيلي علني وسري مع انظمة عربية استبدادية وثيوقراطية. واخر مشاهد الاستهداف الاسرائيلي للتجربة الديمقراطية التونسية هو استهدافها لمحمد الزواري بشكل استعراضي يستهدف اهانة الدولة التونسية بشكل غير مسبوق من خلال ارسال مراسل احد قنواتها للبث المباشر من امام وزارة الداخلية التونسية بعد يوم واحد من الاغتيال. في المقابل اصبح فان علاقة ترامب بتل ابيب لن تنقلها فقط من حالة البرود التي كانت عليها مع اوباما الى حالة دفئ جديدة بل انها ستخترق حتى الخطوط التقليدية الامريكية في الدعم بعزمها نقل السفارة الامريكية في القدس وارسال سفير امريكي لا يؤمن ان الاستيطان غير قانوني. 
التقارب الامارتي مع ترامب ستكون له اسس مصلحية مباشرة في قطاع الاعمال كما هو الحال مع امثلة اخرى عبر العالم. مثل العرض الذي قدمته امارة دبي باستثمارات تصل الى ملياري دولار امريكي. 
اذا قرر ترامب المضي في هذا التوجه اي الدفاع عن مسار اعادة الاستبداد واستهداف اي تجربة ديمقراطية بوصفها اساسا "للارهاب"، فإن ذلك لن يكون سهلا. وسيتعرض خاصة في الملف التونسي معارضة اعضاء في الكونغرس اقويا جمهوريين وديمقراطيين على السواء على رأسهم السيناتور جون ماكاين الذي كان من ابرز المدافعين عن التجربة الديمقراطية التونسية بما في ذلك مشاركة الاسلام السياسي القريب من الاخوان فيها. وسيظهر فعليا وعمليا مدى عزم ترامب على تقويض التجربة وقدرة ماكاين على معارضته في ذلك عندما يأتي الاوان لتجديد القرض الائتماني الامريكي بـ500 مليون دولار وهو عامل اساسي في وضع المالي في تونس خاصة عندما يتعلق الامر بالقدرة على الخروج للاسواق المالية الخارجية. 
في كل الحالات لن يكون خلاص التجربة الديمقراطية في تونس التعويل على اي طرف خارجي. اذ فقط عزيمة الشعب التونسي وشهدائه هي التي فرضت التغيير الديمقراطي رغم مؤامرات او مماطلة الداخل والخارج لوقفه. الطرف الوحيد الذي سيوقف اي محاولة للتراجع عن المكسب الديمقراطي باي شكل كان، بما في ذلك عبر "انقلاب ناعم" يتلقي فيه بعض حاملي السلاح مع "المدنيين" الاستئصاليين وعبر تعليق الدستور واعلان الاحكام العرفية، سيكون الشارع وجبهة ديمقراطية ممن تبقى من المناهضين للاستبداد. والمؤشرات الحالية تدعو للـ"تشاؤل" في تحقيق ذلك. 


فبراير ليس عيداً وطنياً


فبراير .. ليس عيداً وطنياً!

محمد الجماعي

عند فجر السادس والعشرين من سبتمبر هتف أبو الأحرار : يوم من الدهر لم تصنع أشعته ، شمس الضحى بل صنعناه بأيدينا، وكانت لثورة سبتمبر المجيدة ستة أهداف، لم يرى النور منها سوى اسم الثورة فقط، لم يتحقق منها شيء، لقد داسوا على قبر الشهيد علي عبد المغني وبصقوا على أثر الزبيري، ثم حولونا جميعا بجمهوريتنا وأهدافها السامية النبيلة إلى مجرد أدوات تخدم مشروع "الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما"، ثم سمّيناه عيداً وطنياً (!!) فعلنا ذلك باعتبار أن ما قدمه الأبطال يومها يستحق الصبر على موجة التغيير الأولى، وارسموا تحت "موجة التغيير الأولى" ألف خط بألف لون!.
وفي عدن كان الشهيد راجح لبوزة ومن معه يحشدون ويخططون ويستعدون حتى أنجزوا وطردوا المستعمر الذي كان متحالفا مع المستبد في صنعاء، فكانت ثورة 14 أكتوبر رديفاً حقيقيا لثورة 26 سبتمبر، ولكن ، ورغم استمرار النضال منذ فجر "يوم الدهر الأول" في 1962م حتى فجر يوم الدهر الثاني في 1967م ، إلا أننا نجزم جميعاً أن ثورتين عظيمتين جليلتين كان زيتها المضيء من أطهر دماء الشهداء، وأنقى تضحيات العظماء، لكنهما لم تحققا أهدافهما للأسف الشديد، وهذا طبيعي -نتيجة للأسباب التي سنحاول ذكر بعضها في هذه المقالة- ومع ذلك فلنا كل الفخر والاعتزاز بالانتماء إلى الأجداد الأبطال الذين فجّروا تلك الثورتين الجليلتين، وأنجزوا مشروعا وطنيا وعربيا وإسلاميا كان نوعا من الأسطورة التي أبهرت العالم وهزّت الاستعمار من جذوره، وزلزلت الاستبداد من قواعده..!
ونحتفل بهما كعيدين وطنيين، وهما يستحقان ذلك وأكثر، بينما 11 فبراير فهو ليس عيداً وطنياً، وهو الذي قلب الطاولة على رأس الاستعمار والاستبداد ومخلفاتهما، ويحقق أهدافه يوما بعد آخر!
***
نحتفل بالعيدين الوطنيين 26 سبتمبر و 14 أكتوبر، لأنهما تاريخ خلّد نضال أبطالنا العظماء، هو تاريخٌ لمرحلة شاقة ونضال قاس للغاية، من يقرأ حروف البردوني يشعر بحجم الكارثة التي كان الأحرار العظماء يواجهونها ويوجهون قومهم بصبر وتحد وجَلَد وتعب مضاعف، حتى أنجزوا "الموجة الأولى للثورة" أو "موجة التغيير الأولى"، لقد احتاجت منهم إلى كثير من التضحيات، كانوا قِلّة وكانت وسائلهم بسيطة جداً، وكان الحِمْل عليهم ثقيل جِدّ ثقيل، غير أنهم أنجزوا الموجة الأولى باقتدار وعرّوا السرطان الذي كان ينخر في جسد الأمة، واسقطوا قناع الزيف الذي كان يتدثر به العصابات الخادمة للاستعمار تحت دعوى "الإمامة" و "آل البيت" وهم في حقيقتهم ضمن مشروع استعماري صليبي ممتد من جذور التاريخ يديره "الصليبيون" منذ نشأته الأولى، هذا ما فعله أبطالنا العظماء في "الموجة الأولى" التي حرّكوا بها كل هذه التراكمات وأفسدوا مخططات بشعة للاستعمار القبيح، فاللهم اجزل لهم المثوبة، وارحم شهداء ثورتي 14 أكتوبر و26 سبتمبر، من عرفنا منهم ومن لم نعرف.
إننا نحتفل بهما تخليداً لبطولاتهم التي لا يمكن أن نتخيل حجم المعاناة التي بذلوها من أجلنا، إنهم صنعوا المعجزات ورب محمد، ويستحقون أن نتغنى بأمجادهم ليس في يوم ولا في شهر، بل طيلة العام كله، ويكفيهم مجدا وشرفاً أنهم عظماء وأنهم استطاعوا تحريك موجة التغيير الأولى، وصنعوا "فجر" جمهوريتنا الأول.
***
الأعياد الوطنية هي رمز لخلود التضحيات والأوطان، هي تجديد العهد للشهداء بالوفاء لهم بحفظ أهدافهم التي من أجلها قالوا "وهبناك دما غال وهل يغلى عليك دم"، العام الماضي حينما وضع نائب رئيس الوزراء ورئيس هيئة الأركان إكليل الزهور على قبر الشهيد علي عبد المغني كاد أن يغمى على بعضنا، يا للهول، كيف غاب وعينا عن صاحب هذا القبر، نعم ما نفعله من مراسم هي لا تغني لهم شيئا كأبطال في أجداثهم، لكننا تخرجنا من قبور الذاكرة المزيفة، وتحرر عقولنا وتاريخنا وذاكرتنا الوطنية من سلاسل وأغلال المستبد والمستعمر الجديد الذي جثم على صدور أمتنا وأجيالنا نحو أربعة عقود، الأعياد الوطنية تعيد لنا الوعي وتعلم الأجيال المتلاحقة تفاصيل صناعة "يوم الدهر" الخالد، والمعنى الحقيقي لأن تكون حراً كريما تنتمي لوطن مصنوع من دم غال وكثير من الدموع، منحوت من الصخر والتراب المعجون بعرق العظماء وأرقهم وأرواحهم الطاهرة.
سبتمبر واكتوبر عيدان وطنيان، نحن نفخر بالتضحيات الكبيرة التي رافقت كل تلك الساعات والأيام والسنوات الصعبة التي تم فيها تحقيق "الموجة الأولى" للتغير، وكسر ليل الاستعمار والاستبداد وصناعة "فجر" اليمن السعيد، لقد ظل فجرأ فيه الضوء نعم، فيه النور، في الطمأنينة، لكنه كان بحاجة إلى عيد وطني آخر، إلى  "إشراقة" تتمم نوره وتنتمي إليه، وهو ما حدث في الحادي عشر من فبراير الذي كان "إشراقة" فجر سبتمبر وأكتوبر بحق وحقيقة، والإشراقة كانت تحتاج إلى ضحى، وها نحن نصنع الضحى بامتياز.
***
لم أنسى أنني وعدتكم بذكر بعض أسباب عدم تحقيق أهداف ثورتي سبتمبر واكتوبر، أنا أحاول أن أقرّب الصورة، حيث أننا كنا ولا زلنا نخضع لأبشع استعمار عرفته البشر
محمد الجماعي:
ية منذ الفجر الأول للحياة، ومنذ وصول آدم إلى الدنيا، بدأت خيوط هذا الاستعمار الخبيث في مدينة بييل عام 1882م تقريبا، واستكملت مدّ أطراف أخطبوطها فيما يعرف بـ "سايكس بيكو" من العام 1916م، تلك هي البداية الحقيقية للاستعمار، وبعدها سقطت أمتنا في أيدي المستعمر، حيث كانت بريطانيا تدير ملف التقسيم والتفتيت، فبعض البلدان سلمتها للصهاينة اليهود كما فعلت في 1917م، بما عُرف بـ "وعد بلفور" بينما سلمت البلدان الأخرى للصهاينة العرب كما فعلت في "اليمن" حيث أعطت لأئمة الكهنوت مقاليد الحكم في اليمن، وما فعله أجدادنا في فجر التغيير يوم حركوا "موجة الثورة الأولى" كان خياليا وأسطورياً بحق، لأنهم أولا: كانوا نخبة، أي مجموعة مثقفين وعسكريين ومشائخ وعلماء وتجار وبعض من انضم لهم ممن تأثر بهم تأثراً مباشراً، والنخب لا تستطيع صناعة شيء في الغالب إلا بوسائل ضخمة، وسائل مخاطبة وإقناع الشعب، لكن أبطالنا تحدوا هذه الأوضاع المحيطة والتي كانت شبه مستحيلة، وانجزوا الموجة الأولى، وحققوا نقلة نوعية فتحت المجال أمامنا وهيأت لنا الصعود عليها لنبدأ موجة ثانية، غير أننا تأخرنا نحو خمسين عاماً نتيجة التخدير الذي تعرضنا له.!
ها نحن نتفق على أن الاستعمار والاستبداد جزء واحد وعدو مشترك لأوطاننا ولأمتنا، وبهذا الاتفاق نفهم تفاصيل الصراع، بأنه موجات ضد المستعمر وأذرعه التي تتحدث بلساننا.
سبتمبر واكتوبر كانا فجر لوطننا، وكنا بحاجة للموجة الثانية للتغيير.
والموجة الثانية كانت ثورة شعب، تسير على خطى ثورة "النخب" التي بدأت ولم يسمح لها "الاستعمار والاستبداد ومخلفاتهما" من تحقيق أهدافهما، فجاءت "الإشراقة" التي تحركت في الحادي عشر من فبراير.
فبراير ليس عيداً وطنيا فحسب، هو وطن بذاته، وجيل وشعب وأمة، وحكاية وعي جديد مختلف، وقصة ثورة حقيقية أخرى، في سبتمبر وأكتوبر، كان الفجر يحيطه بعض السواد، وكان اللصوص لا يزالون يستغلون فرصة للتسرب إلى جذور الدولة وقيادة الأمة متنكرين مستغلين حالة اندهاش الشعب بإنجازه العظيم ومستثمرين لفرصة انشغال الأبطال بفرحة النصر، فقدّموا أنفسهم خلسة أنهم من صناع الفجر، فجاءت "إشراقة" الحادي عشر من فبراير لتكشفهم وتطيح بهم، وتزلزلهم إلى الأبد، ولم تكن الإشراقة كافية، حيث كنا نحتاج إلى "الضحى" والذي تممناه بالمقاومة التي من رحمها ولد الجيش الوطني.
سيأتي الحديث بشكل موسع حول توصيفات أبطال كل مرحلة وعلاقة بعضهم بالذين أتوا من بعدهم، غير أن فبراير ليس عيداً وطنياً فحسب ، هو شعب وأمة وتفاصيل يوم خالد وحكاية إشراقة ممتدة أعقبت فجر ثورتي سبتمبر وأكتوبر.
فبراير وشهداءه الأبطال أدركوا واجبهم وفعلوه، وطنهم الذي هو وطننا ينتظر منا أن نتعافى من السموم الفكرية وأن نعلن فبراير عيداً وطنياً، كما أننا على مشارف العيد الوطني الجديد الذي سينجزه الأبطال الذين هم على مشارف العاصمة صنعاء قريباً جداً بحول الله.
نحن نحتفل بسبتمبر واكتوبر وهما من أعظم الثورات رغم الالتفاف عليهما وتفريغهما من جوهرهما،  وسنحتفل بالعيد الوطني 11 فبراير جوهرا ومظهرا وحقا وحقيقة فهو عيد الأعياد.
دمتم بخير.

ابو الأحرار الزبيري


✍ محمد الجماعي

في ٢ ديسمبر ١٩٦٤، تقدم القاضي الشهيد محمد محمود الزبيري والمرحومان القاضي عبدالرحمن الأرياني والأستاذ أحمد محمد نعمان إلى المرحوم المشير عبدالله السلال رئيس الجمهورية حينها باستقالاتهم من مناصبهم الرسمية، وكانت الجمهورية الوليدة تخوض حربا ضروسا ضد أنصار الملكية في كل أنحاء اليمن الشمالي، والقوات المصرية تلقي بكل ثقلها العسكري والسياسي دعما للنظام الجمهوري الذي قام في ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢.
لا يمكن التشكيك بولاء العظماء الثلاثة للنظام الجمهوري بل كانوا أول من نادى بقيامه وحشد الناس لدعمه، وكانوا أكبر من المواقع الرسمية التي لم تضف لرصيدهم الوطني، ولم يسعوا يوما لجعلها هدفا يتصارعون من أجلها ولا غاية يحققون من خلالها المكاسب الذاتية، بل كانوا هم الإضافة التاريخية للحكومة الشرعية المعترف بها والممثلة للأغلبية الساحقة من الشعب اليمني، وكان حب اليمن أرضا وإنسانا وازدهاره وتحقيق السلام فيه لكل اليمنيين؛ جمهوريين وملكيين، هو شعارهم الذي قدموا حياتهم من أجله، وتقدم الثلاثة باستقالاتهم إلى المشير السلال لأسباب شرحوها في بيان مكتوب بعنوان «لهذا استقلنا».
كتب الراحلون «وإننا بعد تجربة العامين نجد أن الأخطاء قد تراكمت والمشاكل قد تفاقمت، والفساد قد انتشر واستشرى.. إن التذمر الشعبي قد تعمق واتسع وإن التشكك في الثورة والجمهورية قد تطور واشتد حتى أصبح الشعب يعبر عن يأسه من الوضع لعجزه عن تحقيق الآمال الكبيرة التي أسرف المسؤولون في الوعود بها وعجزوا عن الوفاء بشيء منها».
لخص الثلاثة الأسباب بانعدام الانسجام الفكري والنفسي بين كبار المسؤولين وعدم توفر الثقة بينهم وانعدام وجود مخطط سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي وعسكري متفق عليه، وعدم توافر روح الالتزام والانضباط والتقيد بالعمل في حدود الاختصاصات والحرص على عدم تجاوزها والنزوع إلى الفردية والارتجالية التي يتسم بها الكثير من التصرفات التي سببت الكثير من التناقضات.
أضاف الثلاثة في بيانهم «يا سيادة الرئيس لقد تقلبت بنا المناصب خمس مرات في خلال عامين، وكنا في كل مرة نألو على أنفسنا ألا نتحمل أي مسؤولية في وضع انعدمت فيه المقاييس وفقد فيه النظام وامتهنت القوانين وشاعت الاختصاصات وألغي الفكر وأبعد الشباب المثقف بشتى التهم والمعاذير، ولكن حرصنا على وحدة الصف وجمع الكلمة أمام أعداء الثورة والخشية من أن يفسر ذلك بالصراع على الكراسي، كل ذلك جعلنا نضغط على أعصابنا، ونضحي بكرامتنا، إيثاراً لمصلحة البلد وتعليلاً للنفس بإصلاح الأحوال، والتمكن من تصحيح الاوضاع»..
في النهاية قال الثلاثة «ولما خاب الأمل وانقطعت الحيل واختلت موازين القيم واعتبر طائفة من الناس أنفسهم رؤساء جمهورية غير مقيدين بقانون أو دستور، انتشرت الفوضى الإدارية وتناقضت الأوامر ففقدت قيمتها، وعجزت السلطة التنفيذية عن تنفيذها ووضع حد لتناقضها، فسقطت هيبة الحكومة ورفضت أوامرها واضطربت الأحوال وضاعت الأموال وأصبح التدهور عاماً، واليأس مطبقاً، وبلغ الأمر إلى الحد الذي أصبحت معه -نتيجة لذلك- وحدة الوطن مهددة بالتمزق والانقسام، فبات من الواجب علينا بعد كل هذه المدة وإزاء كل تلك التجارب والأسباب بات من المحتم علينا، عملاً بالصدق مع الله ومع الشعب ومع أنفسنا وإخواننا وزملائنا في العمل والمسؤولية، أن نقدم استقالتنا إلى سيادتكم راجين قبولها وداعين لكل الإخوان المسؤولين بالتوفيق والعون في خدمة هذا البلد الطيب».
إن الحروب لا يمكنها تحقيق الانتصار بالمواجهات المسلحة ولكن برص الصفوف والتعامل الجاد والانفتاح على كل القوى التي تقف مساندة لإنهاء الانقلاب، لأن الخلاف معها ليس في الهدف النهائي ولكن بأسلوب تحقيقه الذي لا يجب أن يكون عبر التشبث بالمناصب ومباهجها ومغانمها هو الغاية منه ولا يجوز تحول الصراع من نضال من أجل الوطن إلى تمسك بالمواقع التي نالها كثيرون ودفعتهم إلى الواجهة دون استحقاق وطني الذي هو وحده في نظر الأغلبية الشعبية ما يعيق التوصل الى إحلال السلام في اليمن.
لا أدري إن كان القول «ما أشبه الليلة بالبارحة» دقيقا وينطبق على حال اليمن الآن لأنه من الصعب استنساخ رجال بحجم العظماء الثلاثة.

سجون الاحتلال في العراق


يمنيون يبحثون عن العدالة في سجون العراق

- محمد الجماعي

كشف المحامي اليمني المتابع لقضية المعتقلين اليمنيين في العراق حميد الحجيلي ، أن السلطات العراقية تحتجز 23 معتقلًا يمنيًا ، منذ اجتياح القوات الأميركية للعراق ، وقد أفرجت السلطات العراقية عن تسعة منهم بين عامي 2012 و 2013م ، وفي أكتوبر/تشرين أول 2016م ، وتم الإفراج عن سجين ، وتبقى في سجونها 13معتقلًا يمنيًا بينهم امرأتان ، منوهًا أن معظم المعتقلين اعتقلتهم القوات الأميركية باستثناء اثنان اعتقلتهم القوات العراقية خلال فترة الاحتلال الأميركي للعراق.

وأكد الحجيلي أن المعتقلين تعرضوا للتعذيب بوحشية بعد الاعتقالات الغير قانونية لهم، وقد أجبروا على البصم والتوقيع على اعترافات تحت ضغط التعذيب ، ونسبت لهم عدد من التهم منها مقاومة القوات الأمريكية ، ودخول العراق بطرق غير شرعية ، وذلك بعد مصادرة وثائقهم وجوازات سفرهم ، حيث أن عقوبة الدخول الغير شرعي في العراق سجن 15عامًا.

وقال الحجيلي "إنه اطلع على الأحكام الصادرة بحق المعتقلين اليمنيين في العراق ، وصدم لأن إجراءات المحاكمة تفتقر لأبسط مقومات المحاكمة العادلة، كما أن المعتقلين تم محاكمتهم وأصدرت بحقهم عقوبات في زمن تواجد القوات الٲمريكية في العراق ، حيث كان يتم تنصيب محامٍ شكلي لكل معتقل يمني من قبل المحكمة ، ولا يلتقي المحامي بالمعتقل كما أنه لا يُقدم ترافعًا أو دفوعًا في القضية وتنتهي جلسة المحاكمة ، ويُصدر الحكم بوقت لا يتجاوز العشرين دقيقة.

وأوضح الحجيلي أن الأحكام الصادرة بحق المعتقلين اليمنيين استندت إلى تحقيقات القوات الأميركية مع المعتقلين ، وإجبارهم على اعترافات تحت التعذيب دون وجود أي أدلة قطعية تؤكد الاتهامات ، منوهاً إلى مخالفة هذه الأدلة لقانون الإجراءات الجزائية العراقية والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب الصادرة في عام 1984م ، والتي تستبعد جميع الأدلة التي يتم انتزاعها عن طريق التعذيب البدني والنفسي ، لافتاً أن معظم المعتقلين اليمنيين صدرت عليهم أحكام بالسجن لمدة تراوحت بين الخمسة عشر عامًا والمؤبد ، كما حُكم على ثلاثة معتقلين منهم بالإعدام .

ولفت الحجيلي أن المعتقلين اليمنيين لم يسمح لهم باختيار محامٍ ليدافع عنهم أو حتى الالتقاء بهم ، واعتقلت القوات الأميركية في عام 2009 ، المواطن اليمني" علي محمد الديلمي" بعد أن أطلقت النار على ساقه وأصابته ، وقد استقر الديلمي في العراق من قبل الاحتلال الأميركي ، وتزوج عراقية من قبيلة زوبع وأنجب منها الأطفال وكان في منزل والد زوجته حين داهمت القوات العراقية المنطقة - غربي بغداد - وشنّت اعتقالات عشوائية كون القبيلة كانت تعارض التواجد الأميركي ، واعتقل الديلمي ووالد زوجته ضمن العشرات من المعتقلين في تلك المداهمة.
ووفقاً للمحامي الحجيلي فقد احتجزت القوات الٲميركية الديلمي وقررت الإفراج عنه في 2011 لكن القوات العراقية نقلته إلى سجن آخر ، وظل حتى بداية نوفمبر/تشرين ثان 2015 بدون محاكمة ، ولا يُسمح بزيارته ، وقد أخذ القنصل اليمني عبدالله مفلح إذنًا من وزارة العدل العراقية لزيارة الديلمي ومنعت إدارة سجن الاستخبارات لقاء القنصل بالديلمي.
وبيّن الحجيلي ٲن السلطات العراقية أحالت الديلمي ووالد زوجته لمحاكمة سرية في مارس/آذار 2016 وصدرت بحقهم عقوبة الإعدام بتهم ملفقة وجلسة لم تتجاوز عشرين دقيقة ، مع عدم إشعار السفارة بمحاكمته لتوكيل محامٍ للديلمي ، ونصبت المحكمة محامٍ له.
وطالب المحامي الحجيلي الرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي بمخاطبة السلطات العليا في العراق بتوقيف إجراءات قضية الديلمي ، وتشكيل لجنة مشتركة بين اليمن والعراق من رجال القانون لمتابعة ملفات اليمنيين المعتقلين في العراق ، وضمان محاكمات عادلة لهم ، مشيرًا بٲن الديلمي قد يُعدم في حال عدم تدخل الرئيس اليمني بشكل عاجل.