الأربعاء، 4 فبراير 2015

ملكة سبأ وسيدنا سليمان


مهمة النبيّ – أيّ نبيّ – الأولى هي الدعوة إلى الله وتوحيده وعبادته، ولئن كان سليمان بن داود ملكًا يسوس مملكته كَحَاكم من الحكّام فهو قبل ذلك نبيّ كريم يدعو إلى الله ويحارب الشرك ويمكّن للتوحيد، ودليل ذلك في قصّته مع ملكة سبأ التي ذكرها القرآن الكريم في سورة ” النمل “، وقد حوت من العبَر المؤثّرة ما يُثلج صدر المؤمن وينير عقله.

وسبأ بلد باليمن كما هو معلوم، أما سليمان عليه السلام فموطنه بفلسطين، شاء الله أن يطّلع سليمان على أخبار ذلك البلد وتفشّي الشرك فيه عن طريق أحد جنوده، هو الهدهد ، فقد لاحظ القائد غياب هذا الجندي الصغير الحجم عن موقعه بين الطيور فتوعّده بالعقاب الشديد إذا لم يبرّر غيابه بمبرّر قوي جليّ لا مكان فيه للتلاعب، فأخبره الهدهد بعد ظهوره انه استكشف أرضاً بعيدة – هي سبأ – وقد لفت نظرَه هناك أمران كبيران، الأوّل هو وجود امرأة على رأس الدولة تتمتّع بمُلك عظيم ( يقصد الحضارة القائمة هناك والتي ذكرها القرآن الكريم في موضع آخر: ” لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال” – سورة سبأ 15 )، والثاني هو عبادة السكّان وملكتهم للكواكب : ” فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تُحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كلّ شيء ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله” – النمل : 22- 24 .

وإذا كان هذا المظهر الشركي قد هال العصفور بحكم عيشه مع سليمان في بيئة مؤمنة رغم أنه غير مكلّف، فقال: ” وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل فهم لا يهتدون، ألا يسجدوا لله …” – النمل : 24 ، فكيف بالنبيّ الحامل لرسالة التوحيد؟ كلّف الهدهدَ بحمل رسالة إلى أهل سبأ عبر ملكتهم ليتأكّد أولاً من صدق الهدهد في مبرّر غيابه، وليطّلع على حقيقة أمر تلك المملكة : ” قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تولّ عنهم فانظر ماذا يرجعون ” – النمل: 27.

وقام الهدهد بالمهمّة فألقى الرسالة ( ولم يسلّمها لأن هذا متعذّر على الطائر ، بل يُلقيها من الأعلى ) وبقي يراقب ردّ فعل الملكة وحاشيتها كما أمره سليمان، وهنا نستطيع تلمّس جملة من خصائص هذه المرأة تدلّ على استقامتها كحاكمة وعلى ذكائها ورجاحة عقلها، وهي صفات حميدة ستقودها في النهاية إلى الهداية، فهي لم تعمد إلى ردّ فعل متسرّع تغلب عليها العاطفة الفائزة ولم تنفرد باتخاذ موقف من رسالة سليمان بل جمعت أهل الحلّ والعقد، سواء في مجلس وزراء أو البرلمان والمجلس الاستشاري، وعرضت عليهم الأمر المستجدّ، ويبيّن السياق أن دأبُها الرجوع إليهم قبل اتخاذ القرارات المصيرية: ” قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألاّ تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ، قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون ” النمل : 29-30، يدلّ هذا على أنها تسوس بلدها بمبادئ الشورى بعيدا عن أنواع الاستبداد والانفراد بالرأي والقرار..

ولا بدّ من التنويه إلى أن مضمون خطاب سليمان لا يقتصر على ما ذكرتُه الملكة ، فكأنها أخبرتهم بالمقدمة والخاتمة ، أما الموضوع فلا شكّ انه اشتمل على تعريفها بالإسلام ودعوتها وقومها إليه، إذ لو اقتصرت الرسالة على التهديد (ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين) لما استقام وصفها للخطاب بأنه كريم، والله تعالى يقول ” وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا ” ، ومهمةّ الرسول – أيّ رسول- البيان والتعريف والتبشير قبل الوعيد والتهديد، فلا ريب أن رسالة سليمان تضمّنت ما تقتضيه الدعوة من تعريف بالإيمان وعناصره وكشف لمفاسد الشرك، واختُتمت بالحزم والصرامة لأنّ النبيّ عرف من الأخبار التي حملها إليه الهدهد اعتزاز مجلس شورى الملكة بقوّتهم وتلويحهم باستعمالها، فضمّن خطابَه ما يشير إلى عدم خوفه منهم واستبق ميلَهم إلى الخيار العسكري بخطاب قويّ يدلّ على امتلاكه قوّة أكبر و أفتك من قوّتهم، حتى لا يفكّروا في حمل السلاح في وجهه، وتلك هي الحكمة بعينها في مثل هذه المواقف. .

ردّ أصحاب الشورى بقولهم: ” نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ” –النمل : 33، ركنوا إلى أسباب القوة والعدد والعتاد العسكري التي يملكونها وأكّدوا استعدادهم للحرب، وتركوا كلمة الفصل لملكتهم، ممّا يؤكّد اطمئنانهم إلى حنكتها وحكمتها .

استمعت الملك الحكيمة إلى مداخلات قادة الرأي والسياسة والجيش وأبدت تريّثًا في اتخاذ أيّ قرار حاسم، ونطقت بكلمة من ذهب، هي سنّة يقرّرها علم الاجتماع السياسي: ” قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة ” – سورة النمل 34 ، وهذا مؤشّر على معرفتها بتاريخ الأمم والممالك وبقوانين الحروب الظالمة، فالملوك – أي الحكّام – إذا غزوا مجتَمعًا ساقوا معهم الفساد المادي والمعنوي، وهو ديدن الاستعمار الغاشم دائما، تمتدّ يدُه القو

صراع مع النفس

صراع مع النفس جلس خالد على مكتبه مهموماً حزيناً ولاحظ زميله في العمل صالح ذلك الوجوم والحزن على وجهه فقام عن مكتبه واقترب من خالد وقال له : خالد نحن إخوة وإصدقاء قبل أن نكون زملاء عمل وقد لاحظت عليك منذ قرابة أسبوع أنك دائم التفكير كثير الشرود وعلامات الهم والحزن بادية عليك وكأنك تحمل هموم الدنيا جميعها فإنه كما تعلم الناس للناس والكل بالله تعالى سكت خالد قليلا ثم قال أشكر لك يا صالح هذا الشعور النبيل وأنا أشعر فعلا أنني بحاجة إلى شخص أبثه همومي ومشاكلي عسى أن يساعدني في حلها اعتدل خالد في جلسته وسكب لزميله صالح كوبا من الشاي ثم قال القضية يا صالح أنني كما تعلم متزوج منذ قرابة الثمانية أشهر وأعيش أنا وزوجتي في البيت بمفردنا ولكن المشكلة تكمن في أن أخي الأصغر حمد ذا العشرين عاماً أنهى دراسته الثانوية وتم قبوله في الجامعة هنا وسيأتي إلى هنا بعد أسبوع أو أسبوعين ليبدأ دراسته ولذا فقد طلب مني أبي وأمي وبإصرار وإلحاح شديدين أن يسكن حمد معي في منزلي بدلاً من أن يسكن مع بعض زملائه الطلاب في شقة من شقق العزاب لأنهم يخشون عليه من الإنحراف والضياع فإن هذه الشقق كما تلعم تجمع من هب ودب والغث والسمين والمؤدب والضائع وكما تعلم فالصاحب ساحب رفضت ذلك بشدة لأنه كما لا يخفاك شاب مراهق ووجوده في منزلي خطر كبير وكلنا مرت بنا فترة الشباب والمراهقة ونعرفها جيداً وقد أخرج من المنزل أحيانا وهو نائم في غرفته وقد أتغيب عن المنزل أحيانا لعدةأيام بسبب ظروف العمل وقد. وقد وقد ولا أكتمك سراً أنني قد استفتيت أحد المشائخ الفضلاء في هذا الموضوع فحذرني من السماح لأي شخص ولو كان أخي بأن يسكن معي ومع زوجتي في المنزل وذكر لي قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المجال الحمو الموت أي أن أخطر شيء على الزوجة هم أقارب زوجها كأخيه وعمه وخاله وأبنائهم لأن هؤلاء يدخلون البيت بكل سهولة ولا يشك فيهم أحد ومن هنا تكون الفتنة بهم أعظم وأشد ثم إنه لا يخفاك يا صالح أن المرء يريد أن يخلو بزوجته لوحدهما في بيته حتى يأخذ راحته معها بشكل أكبر وهذا لايمكن أن يتحقق مع وجود أخي حمد في المنزل سكت خالد قليلاً وتناول رشفة من كوب الشاي الذي أمامه ثم تابع قليلا وحين وضحت لأبي وأمي هذه الأمور وشرحت لهم وجة نظري وأقسمت لهم بالله العظيم أنني أتمنى لأخي حمد كل خير غضبوا مني وهاجموني عند الأقارب واتهموني بالعقوق ووصفوني بأنني مريض القلب وسيء النية وخبيث القصد لأنني أسيء الظن بأخي مع أنه لا يعتبر وزجتي إلا مثل أخته الكبرى . وصموني بأنني حسود حقود أكره لأخي الخير ولا أريده أن يكمل تعليمه الجامعي ، والأشد من كل هذا يا صالح أن أبي هددني قائلاً : هذه فضيحة كبيرة بين الناس كيف يسكن أخوك مع الأغراب وبيتك موجود والله إذ لم يسكن حمد معك لأغضبن عليك أنا وأمك إلى أن تموت ولا نعرفك ولا تعرفنا بعد اليوم ونحن متبرئون منك في الدنيا قبل الآخرة أطرق خالد برأسه قليلا ثم قال وأنا الآن حائر تائه فمن جهة أريد أن أرضي أبي وأمي ومن جهة لا أريد أن أضحي بسعادتي الأسرية فما رأيك يا صالح في هذه المشكلة العويصة اعتدل صالح في جلسته ثم قال : بالتأكيد أنت تريد رأيي في الموضوع بكل صراحة ووضوح ولذا اسمح لي يا خالد أن أقول لك إنك شخص موسوس وشكاك وإلا فما الداعي لكل هذه المشاكل والخلافات مع والديك ألا تعلم أن رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما وماذا جرى إذ سكن أخوك معك في منزل واحد سيقوم بشئون وحوائج البيت في حال تغيبك لأي سبب من الأسباب وسيكون رجل البيت في حال غيابك سكت صالح قليلا ليرى أثر كلامه على وجه خالد ثم تابع قائلاً : ثم إني أسألك لماذا سوء الظن بأخيك ولماذا تتهم الأبرياء بدون دليل أنسيت قول الله : يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم أخبرني ، أخبرني ألست واثقاً من زوجتك ألست واثقاً من أخيك فقاطعه خالد قائلاً أنا واثق من زوجتي ومن أخي ولكن أيــــ فقاطعه صالح معاتباً قائلاً : عدنا إلى الشكوك والأوهام والتخيلات ، ثق يا خالد أن أخاك حمد سيكون هو الراعي الأمين لبيتك في حال حضورك وفي حال غيابك ولا يمكن أن تسول له نفسه أن يقترب من زوجة أخيه لأنه ينظر إليها وكأنها أخته واسأل نفسك يا خالد لو كان أخوك حمد متزوجاً هل كنت ستفكر في التحرش بزوجته أو التعرض لها بسوء أظن أن الجواب معروف لديك .. خالد ، لماذا تخسر ولدك وأمك وأخاك وتفرق شمل العائلة وتشتت الأسرة من أجل أوهام وتخيلات وشكوك واحتمالات لا حقيقة لها فكن عاقلاً وأرض أباك وأمك ليرضى الله عنك وإرضاء لشكوكك ووساوسك أنصحك أن تجعل حمد في القسم الأمامي من المنزل وتغلق الباب الفاصل بين القسم الأمامي وبقية غرف المنزل اقتنع خالد بكلام زميله صالح ولم يكن أمامه مفر من القبول بأن يسكن أخوه حمد معه في المنزل بعد أيام وصل حمد إلى المطار واستقبله خالد ثم توجها سوياً إلى منزل خالد ليقيم حمد في القسم الأمامي وسارت الأمور على هذا المنزل من هنا الشاهد على القصة ودارت الأيام دورتها المقدرة لها في علم الله تعالى وها نحن الآن بعد أربع سنوات وها هو خالد قد بلغ الثلاثين من عمره وأصبح أباً لثلاثة أطفال وها هو حمد في السنة الدراسية الأخيرة له وقد أوشك على التخرج من الجامعة وقد وعده أخوه خالد بأن يسعى له بوظيفة مناسبة في الجامعة وبأن يبقى معه في نفس المنزل حتى يتزوج وينتقل مع زوجته إلى منزله الخاص به في ذات مساء وبينما كان خالد عائداً بسيارته بعد منتصف الليل إلى منزله وبينما هو يسير في أحد الطرق في حارة مجاورة لمنزله إذ لمح من بيعد شبحين أسودين على جانب الطريق فاقترب منهما وإذ بهما في الحقيقة عجوز كبيرة في السن ومعها فتاة مستلقية على الأرض وهي تصرخ وتتلوى والعجوز تصيح وتولول أنقذونا أغيثونا يا أهل الخير .. استغرب خالد هذا الموقف ودعاه فضوله إلى الإقتراب منهما أكثر وسؤالهما عن سبب وقوفهما على جانب الطريق فأخبرته العجوز أنهم ليسوا من أهل هذه المدينة حيث لم يمضي على سكنهم فيها إلا أسبوع فقط وهم لا يعرفون أحد هنا وأن هذه الفتاة هي ابنتها وزوجها مسافر خارج المدينة لظروف عمله وقد أصابتها آلام الطلق والولادة قبل موعدها المحدد وابنتها تكاد أن تموت من شدة الألم ولم يجدوا أحداً يوصلهم إلى المستشفى لتلد الفتاة هناك ، ثم خاطبته العجوز والدموع تنهمر من عينيها وهي تتوسل إليه قائلة أرجوك أقبل قدميك اعمل معي معروفا أوصلني وابنتي إلى أقرب مستشفى الله يحفظ زوجتك وأولادك من كل مكروه .. أثرت دموع العجوز وصراخ الفتاة الملقاة على الأرض في قلب خالد وتملكته الشفقة عليهما وبدافع النخوة والشهامة والمرؤة ومساعدة المكروب وإغاثة الملهوف وافق على إصالهم إلى المستشفى فقام بمساعدة العجوز بإركاب الفتاة داخل السيارة ثم انطلق بهم مسرعاً إلى أقرب مستشفى للولادة ولم تفتر العجوز أم الفتاة طوال الطريق عن الدعاء له بالخير والتوفيق وأن يبارك الله له في زوجته وذريته بعد قليل وصلوا إلى المستشفى وبعد إنهاء الإجراءات النظامية في مثل هذه الحالات دخلت الفتاة إلى غرفة العمليات لإجراء عملية قيصرية لها لتعذر ولادتها ولادة طبيعية. وإمعاناً من خالد في الكرم والشهامة والمرؤة لم تطاوعه نفسه أن ينصرف ويدع هذه العجوز المسكينة وابنتها الضعيفة لوحدهما قبل أن يتأكد من نجاح العمليةوخروج المولود بسلام فأخبر العجوز بأنه سينتظرها في صالة انتظار الرجال وطلب منها إذا انتهت العملية وتمت الولادة بنجاح أن تبشره بذلك واتصل بزوجته في المنزل وأخبرها أنه سيتأخر قليلاً في المجيء إلى البيت وطمأنها على نفسه جلس خالد في صالة انتظار الرجال وأسند ظهره إلى الجدار فغلبته عينه فنام ولم يشعر بنفسه لم يدر خالد كم مضى عليه من الوقت وهو نائم ، لكن الذي يذكره جيداً تلك المشاهد التي لم تمحى من ذاكرة أبد أنه أفاق من نومه على صوت صراخ المناوب واثنان من رجال الأمن يقتربون منه والعجوز تصرخ وتولول وتشير بيدها إليه قائلة هذا هو. هذا هو دهش خالد هذا الموقف فقام عن مقعده واتجه مسرعاً صوب أم الفتاة وبادرها بلهفة قائلا : هاه هل تمت الولادة بنجاح وقبل أن تنطق العجوز بكلمة اقترب منه ضابط الأمن وقال له : أنت خالد قال نعم فقال له الضابط : نريدك خمس دقائق في غرفة المدير دخل الجميع غرفة المدير وأغلقوا عليهم الباب وهنا أخذت العجوز تصرخ وتضرب وجهها وتلطم خدها وتشد شعرها وهي تصيح قائلة هذا هو المجرم السافل .. أرجوكم لا تتركوه يذهب واحسرتاه عليك يا ابنتي بقي خالد مدهوشاً حائراً لا يفهم شيئاً مما حوله ولم يفق من دهشته إلا عندما قال له الضابط : هذه العجوز تدعي أنك زنيت بابنتها واغتصبتها رغماً عنها فحملت منك سفاحاً ثم لما هددتك بأن تفضحك وتبلغ عنك الشرطة وعدتها بأن تتزوجها ولكن بعد أن تلد ثم تضعوا الجنين عند باب أحد المساجد ليأخذه أهل الخير ويوصلوه إلى دار الرعاية الإجتماعية صعق خالد لسماع هذا الكلام واسودت الدنيا في عينه ولم يعد يرى ما أمامه وتحجرت الكلمات في حلقه واحتبست الحروف في فمه وسقط على الأرض مغماً عليه بعد قليل أفاق خالد من إغماءته فرأى اثنين من رجال الأمن معه في الغرفة فبادر الضابط المختص قائلاً : خالد أخبرني بالحقيقة ملامحك تنبئ أنك شخص محترم ومظهرك يدل على أنك لست ممن يرتكب مثل هذه الجرائم المنكرة .. فقال خالد والألم يفطر قلبه : يا ناس أهذا جزاء المعروف أهكذا يقابل الإحسان أنا رجل شريف عفيف وأنا متزوج وعندي ثلاثة أطفال ذكران سامي وسعود. وأنثى هنادي وأنا أسكن. في حي المعروف لم يتمالك خالد نفسه فانحدرت الدموع من عينيه ، إنها دموع الظلم والقهر ، إنها دموع البراءة والطهر ، ثم لما هدأت نفسه قص عليه خالد قصته كاملة مع تلك العجوز وابنتها ولما انتهى خالد من إفادته قال له الضابط هون الأمر عليك أنا واثق أنك بريء ولكن القضية لابد أن تسير وفق إجراءاتها النظامية ولا بد أن يظهر دليل براءتك والأمر بسيط في مثل حالتك هذه فقط سنقوم بإجراء بعض التحاليل الطبية الخاصة التي ستكشف لنا الحقيقة فقاطعه خالد : أي حقيقه. الحقيقة أنني بريء وشريف وعفيف .. ألا تصدقونني إن الكلاب لتحسن لمن أحسن إليها ولكن كثيراً من البشر يغدرون ويسيئون لمن أحسن إليهم في الصباح تم أخذ عينات من الحيوانات المنوية لخالد وأرسلت إلى المختبر لفحصها وإجراء الاختبارات اللازمة عليها وجلس خالد مع الضابط المختص في غرفة أخرى وهو لا يفتر عن دعاء الله واللجوء إليه أن يكشف الحقيقة بعد ساعتين تقريباً جاءت النتيجة المذهلة لقد أظهرت التحاليل الطبية براءة خالد من هذه التهمة الكاذبة فلم يملك خالد نفسه من الفرحة فخر ساجداً على الأرض شكراً لله تعالى على أن أظهر براءته واعتذر الضابط عما سببوه له من إزعاج وتم اقتياد العجوز وابنتها الفاجرة إلى قسم الشرطة لمتابعة التحقيق معهما واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقهما . حرص خالد قبل مغادرة المستشفى على توديع الطبيب المختص الذي باشر القضية فذهب إليه في غرفته الخاصة به مودعاً وشاكراً لجهوده ولكن الطبيب فاجأه قائلاً : لو تكرمت أريدك في موضوع خاص لدقائق فقط .. بدى الطبيب مرتبكاً بعض الشيء ثم استجمع شجاعته وقال في الحقيقة يا خالد من خلال الفحوصات التي أجريتها عليك أشك أن عندك مرضاً ما ولكنني غير متأكد من ذلك ولذلك أريد أن أجري بعض الفحوصات على زوجتك وأطفالك لأقطع الشك باليقين فقال خالد وقد بدا الخوف والفزع على محياه : أرجوك يادكتور أخبرني ماذا لدي إنني راض بقضاء الله وقدره ولكن المهم عندي هو أطفالي الصغار أنني مستعد للتضحية من أجلهم ثم أجهش بالبكاء أخذ الدكتور يهدئ من انفعاله ويطمئنه ثم قال له : أنا في الحقيقة لا أستطيع أن أخبرك الآن بشيء حتى أتأكد من الأمر فقد تكون شكوكي في غير محلها ولكن عجّل بإحضار زوجتك وأطفالك الثلاثة بعد ساعات معدودة أحضر خالد زوجته وأطفاله إلى المستشفى وتم إجراء الفحوصات والتحاليل اللازمة لهم ثم أوصلهم إلى السيارة وعاد هو ليتحدث قليلاً مع الطبيب وبينما هما يتحدثان سوياً إذ رن جوال خالد فرد على المتصل وتحدث معه لدقائق ثم أنهى المكالمة وعاد للحديث مع الطبيب الذي بادره قائلاً من هذا الذي تقول له إياك أن تكسر باب الشقة فقال له هذا أخي حمد أنه يسكن معي في نفس الشقة وقد أضاع مفتاحه الخاص به وهو يطلب مني أن أحضر بسرعة لأفتح له الباب المغلق فقال الدكتور متعجباً ومنذ متى وهو يسكن معكم فقال خالد منذ أربع سنوات وهو الآن يدرس في السنة النهائية من الجامعة .. فقال له الدكتور هل يمكن أن تحضره لنجري عليه بعض الفحوصات لنتأكد هل المرض وراثي أم لا فقال خالد بكل سرور غداً سنكون عندك وفي الموعد المحدد حضر خالد وأخوه حمد إلى المستشفى وتم إجراء الفحوصات والتحاليل اللازمة لحمد وطلب الطبيب من خالد أن يراجعه بعد أسبوع من الآن ليعرف النتيجة النهائية ويتأكد من كل شيء .. ظل خالد طوال الأسبوع قلقاً مضطرباً وفي الموعد المحدد جاء إلى الطبيب الذي أستقبله بكل ترحاب وطلب له كوباً من الليمون لتهدأ أعصابه وبدأ يحدثه عن الصبر على المصائب والنكبات وأن هذه هي حال الدنيا فقاطعه خالد قائلاً أرجوك يا دكتور لا تحرق أعصابي أكثر من ذلك أنا مستعد لتحمل أي مرض وهذا قضاء الله وقدره فما هي الحقيقة طأطأ الدكتور برأسه قليلاً ثم قال : في كثير من الأحيان تكون الحقيقة أليمه قاسية مريرة. لكن لابدّ من معرفتها ومواجهتها فإن الهروب من المواجهة لا يحل مشكلة ولا يغير من الواقع سكت الطبيب قليلاً .. ثم ألقى بقنبلته المدوية قائلاً : خالد أنت عقيم لاتنجب والأطفال الثلاثة ليسوا أطفالك بل هم من أخيك حمد لم يطق خالد سماع هذه المفاجأة القاتلة فصرخ صرخة مدوية جلجلت في أرجاء المستشفى ثم سقط مغمي عليه بعد أسبوعين أفاق خالد من غيبوبته الطويلة ليجد كل شيء في حياته قد تحطم وتهدم لقد أصيب خالد بالشلل النصفي وفقد عقله من هول الصدمة وتم نقله إلى مستشفى الأمراض العقلية ليقضي هناك ما تبقى منه من أيام وأما زوجته فقد أحيلت إلى المحكمة الشرعية لتصديق إعترافاتها شرعاً وإقامة حد الرجم حتى الموت عليها . وأما أخوه حمد فهو قابع وراء قضبان السجن ينتظر صدور العقوبة الشرعية بحقه وأما الأطفال الثلاثة فقد تم تحويلهم إلى دار الرعاية الإجتماعية. ليعيشوا مع اللقطاء والأيتام ومضت سنة الله الباقية الحمو الموت ولم تجد لسنة الله تبديلا