مهمة النبيّ – أيّ نبيّ – الأولى هي الدعوة إلى الله وتوحيده وعبادته، ولئن كان سليمان بن داود ملكًا يسوس مملكته كَحَاكم من الحكّام فهو قبل ذلك نبيّ كريم يدعو إلى الله ويحارب الشرك ويمكّن للتوحيد، ودليل ذلك في قصّته مع ملكة سبأ التي ذكرها القرآن الكريم في سورة ” النمل “، وقد حوت من العبَر المؤثّرة ما يُثلج صدر المؤمن وينير عقله.
وسبأ بلد باليمن كما هو معلوم، أما سليمان عليه السلام فموطنه بفلسطين، شاء الله أن يطّلع سليمان على أخبار ذلك البلد وتفشّي الشرك فيه عن طريق أحد جنوده، هو الهدهد ، فقد لاحظ القائد غياب هذا الجندي الصغير الحجم عن موقعه بين الطيور فتوعّده بالعقاب الشديد إذا لم يبرّر غيابه بمبرّر قوي جليّ لا مكان فيه للتلاعب، فأخبره الهدهد بعد ظهوره انه استكشف أرضاً بعيدة – هي سبأ – وقد لفت نظرَه هناك أمران كبيران، الأوّل هو وجود امرأة على رأس الدولة تتمتّع بمُلك عظيم ( يقصد الحضارة القائمة هناك والتي ذكرها القرآن الكريم في موضع آخر: ” لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال” – سورة سبأ 15 )، والثاني هو عبادة السكّان وملكتهم للكواكب : ” فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تُحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كلّ شيء ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله” – النمل : 22- 24 .
وإذا كان هذا المظهر الشركي قد هال العصفور بحكم عيشه مع سليمان في بيئة مؤمنة رغم أنه غير مكلّف، فقال: ” وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل فهم لا يهتدون، ألا يسجدوا لله …” – النمل : 24 ، فكيف بالنبيّ الحامل لرسالة التوحيد؟ كلّف الهدهدَ بحمل رسالة إلى أهل سبأ عبر ملكتهم ليتأكّد أولاً من صدق الهدهد في مبرّر غيابه، وليطّلع على حقيقة أمر تلك المملكة : ” قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تولّ عنهم فانظر ماذا يرجعون ” – النمل: 27.
وقام الهدهد بالمهمّة فألقى الرسالة ( ولم يسلّمها لأن هذا متعذّر على الطائر ، بل يُلقيها من الأعلى ) وبقي يراقب ردّ فعل الملكة وحاشيتها كما أمره سليمان، وهنا نستطيع تلمّس جملة من خصائص هذه المرأة تدلّ على استقامتها كحاكمة وعلى ذكائها ورجاحة عقلها، وهي صفات حميدة ستقودها في النهاية إلى الهداية، فهي لم تعمد إلى ردّ فعل متسرّع تغلب عليها العاطفة الفائزة ولم تنفرد باتخاذ موقف من رسالة سليمان بل جمعت أهل الحلّ والعقد، سواء في مجلس وزراء أو البرلمان والمجلس الاستشاري، وعرضت عليهم الأمر المستجدّ، ويبيّن السياق أن دأبُها الرجوع إليهم قبل اتخاذ القرارات المصيرية: ” قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألاّ تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ، قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون ” النمل : 29-30، يدلّ هذا على أنها تسوس بلدها بمبادئ الشورى بعيدا عن أنواع الاستبداد والانفراد بالرأي والقرار..
ولا بدّ من التنويه إلى أن مضمون خطاب سليمان لا يقتصر على ما ذكرتُه الملكة ، فكأنها أخبرتهم بالمقدمة والخاتمة ، أما الموضوع فلا شكّ انه اشتمل على تعريفها بالإسلام ودعوتها وقومها إليه، إذ لو اقتصرت الرسالة على التهديد (ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين) لما استقام وصفها للخطاب بأنه كريم، والله تعالى يقول ” وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا ” ، ومهمةّ الرسول – أيّ رسول- البيان والتعريف والتبشير قبل الوعيد والتهديد، فلا ريب أن رسالة سليمان تضمّنت ما تقتضيه الدعوة من تعريف بالإيمان وعناصره وكشف لمفاسد الشرك، واختُتمت بالحزم والصرامة لأنّ النبيّ عرف من الأخبار التي حملها إليه الهدهد اعتزاز مجلس شورى الملكة بقوّتهم وتلويحهم باستعمالها، فضمّن خطابَه ما يشير إلى عدم خوفه منهم واستبق ميلَهم إلى الخيار العسكري بخطاب قويّ يدلّ على امتلاكه قوّة أكبر و أفتك من قوّتهم، حتى لا يفكّروا في حمل السلاح في وجهه، وتلك هي الحكمة بعينها في مثل هذه المواقف. .
ردّ أصحاب الشورى بقولهم: ” نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ” –النمل : 33، ركنوا إلى أسباب القوة والعدد والعتاد العسكري التي يملكونها وأكّدوا استعدادهم للحرب، وتركوا كلمة الفصل لملكتهم، ممّا يؤكّد اطمئنانهم إلى حنكتها وحكمتها .
استمعت الملك الحكيمة إلى مداخلات قادة الرأي والسياسة والجيش وأبدت تريّثًا في اتخاذ أيّ قرار حاسم، ونطقت بكلمة من ذهب، هي سنّة يقرّرها علم الاجتماع السياسي: ” قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة ” – سورة النمل 34 ، وهذا مؤشّر على معرفتها بتاريخ الأمم والممالك وبقوانين الحروب الظالمة، فالملوك – أي الحكّام – إذا غزوا مجتَمعًا ساقوا معهم الفساد المادي والمعنوي، وهو ديدن الاستعمار الغاشم دائما، تمتدّ يدُه القو